محمد فاروق النبهان
45
المدخل إلى علوم القرآن الكريم
ضرا ، لأن ذلك من اختصاص الخالق ، والخالق هو اللّه ، وما عداه فهو مخلوق ، والمخلوق لا يملك لنفسه إلا ما أراده الخالق له قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ « 1 » . ويقف المشركون حيارى لا يدرون ما ذا يقولون ، هل محمد مجنون ، أم هو ساحر أو شاعر ، واضطربت نفوسهم ، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت ، فالمجانين لا يتحدون العقلاء فيما تميز به أولئك العقلاء وتفاخروا به ، وتحداهم القرآن ، أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 13 ) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ « 2 » . فلما عجزوا عن مواجهة التحدي نزل الوحي يؤكد عجز الإنس والجن عن الإتيان بمثل القرآن قال تعالى : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً « 3 » . وانتصر الوحي بإذن اللّه ، وحفظ اللّه القرآن ، وأعز اللّه المسلمين بالإسلام ، ورفع مكانتهم ، وأقام لهم دولة وحضارة ، وامتدت دولة القرآن في أمصار الأرض رافعة أعلام الإسلام ، محررة الشعوب من الظلم والاستعباد ، مقررة حقوق الإنسان ، منتصرة لقيم الفضيلة ، متحدية كل طغيان واستكبار ، داعية إلى عبادة اللّه وحده ، مؤكدة أن دين الحق لا يتحالف مع أعداء الحق ، ولا يستسلم أمام جبروت القوة ، ويتحدى أعداء اللّه والإنسان في كل مكان ، لكي تظل الأرض موطنا آمنا يجد فيها الإنسان مستقره .
--> ( 1 ) سورة الأعراف ، الآية : 188 . ( 2 ) سورة هود ، الآيتان : 13 - 14 . ( 3 ) سورة الإسراء ، الآية : 88 .